العلامة المجلسي
20
بحار الأنوار
لا يبقون ، أو لستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى ميت يبكى وآخر يعزى ، وصريع مبتلى ، وعايد يعود ، ودنف بنفسه يجود ( 1 ) وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، على أثر الماضي يمضى الباقي وإلى الله عاقبة الأمور . 79 - وقال عليه السلام : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها عن قليل تزيل الساكن وتفجع المترف ( 2 ) فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها ، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر ، وأبصر إدبار ما قد أدبر ، وحضور ما قد حضر فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن ، وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل وكل ما هو آت قريب ، فكم من مؤمل مالا يدركه ، وجامع مالا يأكله ، ومانع مالا يتركه ، ولعله من باطل جمعه ، أو حق منعه ، أصابه حراما ، وورثه عدوانا ، فاحتمل ما ضره ، وباء بوزره ( 3 ) وقدم على ربه آسفا لا لاهفا خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين . 80 - وقال عليه السلام : الدنيا مثل الحية لين مسها ، قاتل سمها فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، وكن آنس ما يكون إليها أوحش ما تكون منها ( 4 ) فإن صاحبها كلما اطمئن منها ، إلى سرور أشخصته إلى مكروه ، فقد يسر المرء بما لم يكن ليفوته وليحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد ، فليكن سرورك بما قدمت من عمل أو قول ، ولتكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك ، ولا تكن
--> ( 1 ) الصريع : المطروح على الأرض . والدنف : المريض . وجاد بنفسه أي سمح بها عند الموت فكأنه يدفعها كما يدفع الانسان ماله . ( 2 ) المترف - كمكرم - : المتروك بنعمته يصنع فيها ما يشاء ولا يمنع . ( 3 ) باء يبوء إليه : رجع وباء بالحق أو بالذنب : أقر . ( 4 ) آنس حال و " ما " مصدرية وخبر كان احذر أي كن حال انسك بها أحذر اكوانك منها . وقوله " فان صاحبها - الخ " أي ان سكون صاحبها إلي اللذة بها مستلزم العذاب المكروه في الآخرة .